#مذكرات_رجل_فائض_عن_الحاجة. ..

#مذكرات_رجل_فائض_عن_الحاجة (¹)

    في غرفتي التي تتسع للكون وتضيق بكتفيّ، أجلس مدججا بلاشيء، حيث لا زوجة تطرق الكوب بالملعقة لتوقظني من أوهامي، ولا حبيبة تنتظر على الطرف الآخر من الهاتف لتسألني بصوتٍ مخملي إن كنتُ قد أكلت، فأنا اليتيم من كل شيء، حتى من تلك المشاعر التي يبيعها الشعراء في دكاكين الورق.. مات الأبوان، ثم مات الشغف، وبقيتُ أنا وقولوني العصبي وقطي الأبيض.... وأتذكر في هذه العتمة إيليا أبو ماضي بنبرته التفاؤلية المستفزة التي تجعلني أرغب في ملاحقته بمقشة قديمة وهو يقول كن جميلاً ترَ الوجود جميلاً، فألتفت إلى المرآة لأرى وجنتيّ الغائرتين كقبرين طازجين، ولحيتي التي نبتت كأشواك العليق عشوائيا لتعبر عن احتجاجها على غياب الحلاق وغياب الدافع، وشعري الذي يتساقط كما تتساقط أوراق الخريف في روايات ديستوفسكي البائسة، مفسحا المجال لجبهة عريضة تعكس ضوء المصباح الشاحن، لأدرك أن الوجود ليس جميلاً يا إيليا، بل يبدو كحساء بارد رُفعت عنه التوابل.

 أنظر إلى قطي الأبيض "بيتشو"، الذي يمتزج في عينيه الزمرديتين كبرياء الأباطرة باحتقار البروليتاريا، وأسأله بمرارة إن كنا سنموت الليلة، فيهز ذيله بلامبالاة كأنه مسؤول حكومي يتلقى شكوى مواطن، مديرا ظهره لي نحو الجدار المقابل برطوبته المقشرة التي ترسم خريطة لدولة غير موجودة، والذي يبدو على الأقل مستمعا أفضل لا يطالبني بوجبات التونة في تمام الثالثة فجراً... أنفاسي تخرج ثقيلة، ملوثة برائحة القهوة الرخيصة والتبغ، تمتزج بهواء الغرفة الذي لم يتجدد منذ سنوات، وأتحرك نحو النافذة لأرى سيارتي القابعة في الأسفل كأقوى تجسيد مادي للاكتئاب!! هيكلها مغطى بغبار شطب الأطفال عليه عبارات هجاء،

 وشخبطات الأطفال... تعكس كيف تحول هذا الشيء الذي كان قيّماً يوما ما إلى مجرد سبورة أو مساحة للعبث والسخرية في الشارع.

عبارة "اغسلوني" هي نداء صامت يكتبه العابرون عادةً بإصبعهم على الزجاج المغطى بالتراب... ومحركها يسعل مثل عجوز مصاب بالجائحة في أواخر أيامه، وكلما أدرتُ المفتاح أسمع أنينا يشبه أنين الروح المعذبة في رواية "الجريمة والعقاب"، إنها لا تسير، بل تجر أذيال الخيبة من رصيف إلى رصيف، تماما كما يفعل في أحشائي الإمبراطور الحقيقي لهذا الجسد القولون العصبي هذا السياسي المحنك الذي يدير أزماتي النفسية، لا يحتاج إلى مؤامرة دولية لكي ينقلب ضدي...يكفي أن أفكر بجدية في مستقبلي، أو أن يتذكر عقلي عقود الإيجار، أو يمر طيف فتاة عابرة في خيالي، ليعلن البرلمان الداخلي حالة الطوارئ ويبدأ بالانتفاخ والتقلص، عازفا سيمفونية من الألم الساخر كأنه يقول لي إنني شريكة حياتك الحقيقية التي لن تتركك حتى يواريك التراب...حتى كرة القدم التي كنت أعشقها وأبكي لخسارة أنديتها، قاطعتها بعدما اكتشفت اللعبة السياسية القذرة خلف كل ركلة، حيث يركض المليارديرات خلف قطعة جلد ونسكب نحن أعصابنا وصحتنا على الأرصفة لنمنحهم بيوتاً في جزر البهاما، فلم يعد ينتصر بداخلي أي فريق إلا الفريق الوطني، ليس لأنهم يلعبون كرة قدم حقيقية، بل لأن خسارتهم وإحباطهم يشبهانني، فهم يمثلون التراجيديا الوطنية المثالية، وعندما يخسرون أشعر بنوع من الطمأنينة المازوخية بأنني لستُ الفاشل الوحيد في هذا البلد، فالمنظومة كلها متسقة مع بؤسي، ونشاهدهم أنا وبيتشو هو يطارد الضوء على الشاشة، وأنا أطارد وطنا ضائعا في ساق لاعب مستهتر. 

لقد ألفتُ هذه الوحدة وكرهت المخالطة، فالبشر كائنات ملوثة بالصوت والنفاق، يريدونك سعيدا ليتملكوا طاقتك، أو حزينا ليشعروا بالتفوق عليك، بينما هنا في العتمة أعيش مع معزوفتي الليلية... طقطقة عظامي، مواء بيتشو الخافت مطحونا بالملل، نبضات قولوني الثائر، والليل الذي يمد يده من النافذة ليخنق ما تبقى من أمل.

 أنا يتيم بلا امرأة تمسح على رأسي، ولكنني على الأقل حقيقي جداً، لدرجة أنني لو اختفيت الليلة، لن يلاحظ أحد سوى قطي الأبيض، الذي ربما على طريقة ديستوفسكي السوداوية سيبدأ بقضم أصابعي بعد يومين، ليس بدافع الكراهية، بل فقط لأن التونة قد نفدت، والحياة يجب أن تستمر دوني.


.

.

.


بقلم /ربيعي محمد



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

على قيدِ الغد بقلم 🖋️ الشاعر ✨✨ فتحي الشوافي

ويستضيء بما ظنّه يومًا عتمة.... بقلم 🖋️ الشاعرة ✨✨ماريا غازي

( رسالة من روحك ) بقلم 🖋️ الشاعر ✨✨عمر أحمد العلوش